:::شتات:::

 

الإشــــارات

 

في كتاب الرموز قرأت أن منابع دجلة في الفردوس؛ ولذلك كانت تتذكره وهي تمرُّ كل يوم على الشاطئ، تبصر على مرايا المياه وجهه الذي لم تره قط.
لم يكن يؤمن بالتَّواصل، وكانت تكفر بالانفصال.

كان مولعا بالغياب، وهي مفتونة بالحضور.
حينما احتدمت لحظات الصدام اختار البعد وركنت هي إلى الصمت.
لم تحاول نسيانه، كانت في كل منولوج تحسم أمرها على المقاومة. ولماذا تنساه ما دام حضوره يشعل في روحها الشجو والشجر والأنهار؛ فتحتدم الأسرار وتهدر الزوابع ويموج الطوفان.
هو مفتون بما لا يبوح وما لا تدري، وهي لا يعنيها أن تدري، كلُّ ما يعنيها الإشارات.
لم يستوقفها أحد من قبل. كانت تحاورهم، تقلّب الأمور معهم، تصنع قرارات عمل وتمضي. وهم يخشون عبور الحدود التي رسمتها، كان بعضهم يطلق الإشارة فيرى الطرق مقفلة ويصمتان.
هو في اللقاء الأول أعطاها هاتفه، في اللقاء الثاني راسلها، في اللقاء الثالث كتب لها.. أفتقدك.
واشتعلت المواسم.
قال لها في اللحظات الأولى، مزاجي سيء، طباعي إشكالية، المعضلة فيَّ وليس في الآخرين، أنا لا أطاق...
لم تصدق، كان من خزائن التاريخ يُطلُّ عليها، ومن كنوز خيال مركب، خيال شرحه ريجاردز وقبله كوليردج لكنها لم تحاول أن تفهمه، فتنها كوليردج في الحديث عن متتناقضات فعل الخيال وكيف تصطرع لتتشكلَ متداخلة من جديد، لكنها لم تفهم غير محاولات المزج واقتحام الحدود نحو مجاهل غامضة، فجدل التضادات كان موطن اشتغالها. إنه السحر الذي فتنها بتداخل كل شئ بكل شئ، المهم أنها أدركت أن الخيال المركب يشكل صورا جمالية معقدة تصدر عن وعي معقد وتتسم بالغموض.
قالت له، لا أصدق أنك بهذه الغرابة. قال: سترين.
وجاء يوم..
وعلى حين غرة، وجدت كل الأبواب مقفلة وبلا سبب، الهاتف صامت. والرسائل غائبة، والنت معطل.
والتاعت... ثم تذكرت.. أنا لا أُطاق. وصمتت.
حاولت البحث عنه في كل مكان إلا الأماكن التي يمكن أن يوجد فيها، كان غيابه حضورا لأبجديتها، وتحققا لكل الأطياف التي تأخذها لمنابت العبير. كان في الغياب يطلّ عليها، في الدروب المقفلة والليالي الشاسعة وعلى أرصفة المحنة، أكفاً تمسح عن جبينها ضراوة الحريق مرة، وتلفّ جيدها بحبال الوحشة أخرى.
قالت لها رفيقتها في المنولوج، أنت مخطئة، لقد اخترت بقعة من الصمغ فيها جاذبية خطرة، إن لم تتخلصي منها ابتلعتك الهاوية. لم تسمع.
قالت لها، هذه مشاعر ملتبسة. ضحكت في سرها.
في سرها تدرك أن الحياة التباسُ ديمومة مُرة، شديدة الغرابة، بالغة التعقيد، وبلا بؤرٍ على الإطلاق..
في سرها مخلوقة صلبة مُرهفة، قوية شفيفة، عنيدة مرنة، مخلوقة لا يعنيها أن يكون الأمر مشاعر ملتبسة أم حبا ملتبسا أم مشاكسة مركبة، أم اشتباك موت بحياة، لا يعنيها أنه صادق أم غير صادق، ليس مهماً أن يكون مولعا بالبحث والتجوال كما يقول المنولوج. ولمَ لا يبحث؟ أليست هي مولعة بالبحث لكنْ في مجال آخر، ليكن، ولتجرب أمرا كهذا مرة واحدة هي الصامتة دوما والمنهمكة بتغريب الأشياء. إنها تعرف أن الحياة مشتبكة بالصدق والكذب، كم مرة سألها محترمون: كيف أنت..؟ فتجيب، بخير.. مع أنها في الدرك الأسفل من العذاب، ألم تقتنع أن اللغة مضللة وان الصمت صدوق، ألم تدرك من زمن بعيد أن المحض خرافة، قالت له ذلك فوافقها مردداً: هو المد والجزر..
الحياة حقل مشتعل بالتجارب، وهي لم تجرب إلا في المناطق المأمونة حيث الأبيض والأسود جليان، لكنها اليوم مفتونة بمزج الألوان، بلوحة الاشتباكات، بمشاهد الصدام لعل الجنين الجديد يصرخ محتجاً، وفي احتجاجه تنبلج مرابع النَّعيم. هكذا درست في علم الكائنات وفي تداخل الجبر بالقضاء بالأقدار، هل كان كل شيء بمقدار..! لا تدري، كل ما تدريه أن النعيم الذي تهوي اليه البشرية كان شِباكا من نار.
ما هو النعيم إلهي، ما سرّه، ما معناه، ما مدياته، كيف الإمساك بمكنوناته، منذ طفولتها المبكرة وهي تعدو وراء الدلالات، والدلالات خادعة، مخاتلة، تلبس لكل حال لبوسها، وانفتاح التأويل زاد الأمر تعقيداً، فصار لكل قارئ مدياته. ها هي تكتشف مؤخراً أنَّ النعيم طارق مفاجئ يأتي حين لا نكون بانتظاره، وقد يحلُّ ضيفا أو خطفا، لكنها توقن الآن أنه.. لا يستطيع.. أن يُقيم.
يوجعها اليوم هدير الفتيان في الشوارع بحثا عن المعنى الذي حجبه ويحجبه خونة الإنسان، والمقاتل يصير ثائرا مناضلا هنا، وسفاحا مخربا هناك، والحقيقة تقاس بمكاييل وليس بمكيالين، فأين هو اللبس؟ في العالم الكبير المعقد الملتبس أم في صدقها وفي الصفحة البيضاء التي ترنو لأنامل تُزيح وحشتها، وتطرز الأبيض الجاثم عليها.
هل الأبيض نقاءٌ أم موتٌ وعدم، موجةٌ هائجة أم كفن؟ مذ عرفته صار الأبيض لا يفزعها، لأنَّه مفتوح السَّاعدين دوما لاصطخاب الموج وضوضاء الحروف تنهض من الأعماق تدون باللهب لوعة الشواطئ واشتعال الصحارى، ورفيقتها تقول بغضب ابحثي عن الحقيقة.
ابتسمت ثانية، فالبحث عن الحقيقة انشغال عنها؛ البحث عن الحقيقة هروب منها؛ لأن الحقيقة في عرفها ما نشكله نحن عن جوهرها، وها هي الحقيقة تتشكل، تقابلها وجها لوجه، تستقر حتى يأتيَ ما يُزيحها، لا يعنيها الآن ما قال وما سيقول، لا يعنيها عصيانه ولا الصحارى التي تفصله عنها؛ فما تسميه الروح فردوساً تسميه الذريعة جحيما أو لبسا، وهي لا تعنيها المسميات، فالعلاقة اعتباطية بين ركني العلامة، لم يستطع أحد أن يدحض هذه المقولة بعد، والغياب صار مذ عرفته دهشة الحضور وتحققه،
الغياب صار الوجه المطلق
لحضورٍ يمنح الوجود هويته
ويمنح الأسفار محطاتها
والمحطاتُ لم تكن محايدة قط،
المحطات كثيراً ما ترفض نزولنا
فنضطر لمواصلة المسير،
وهي تدرك ذلك بوعي، وتعرف أن حرية الدالات تمنحها الجرأة على الإقدام، ومذ وُجدت الحداثة وما بعدها صار اللبس سمة جمالية، فلتعش هذا الإحساس جماليا ما دام لبساً مبرءاً من الذرائع، إحساساً يتطلع لكاهن البروق أن يشعل في الظلمات قناديل الولع ليستيقظ جمر الأرض. وهي تعلم أن جمر الأرض عصيٌّ على الاشتعال عصيان زمنيته المضببة بمحنة وجودها، الشيء الوحيد الذي يعنيها أن الإشارات التي تصدر عنه تشعل البركان، وان البركان يتفجر عن غابات وجد وزيتون ورمان.
تتوهج الأقلام وتندى الصحف ويموج في الأرض جنون من زبرجد؛ وتتدلى من نجمات الفجر قلائدُ ياقوت تطوق جيدها..
يلفُّ الكونَ نغمٌ من حرير، وذلك وحده المُراد.
نعم.. هي الحقيقة، والحقيقة الملتبسة ألا قرار لغوايات دمه المشتعل بالنفور غير صميم روحها؛ ولذلك لم تصغِ للمونولوج؛ لأنها وحدها من تدرك سر السؤال، وأنها لا تريد لهذا السؤال أن ينطفي.
أسكتت كل الأصوات وظلت كل صباح تفتح الهاتف حالما تستيقظ تبحث عن عبيره، لكنها لا تحزن إذ لم يكسر توقعها. في منتصف الليل تفتح بريدها وهي موقنة أنه غائب. وتواصل الحلم بعذوبة الغياب.
وهي على الوسادة تذهلها قدرة المشاعر على تحويل المادة الى أثير، والروح الى عبير والصمت الى كرنفال فرح، لكن لماذا تُذهلُ وهي التي تدرك أنه الذي حول الكلمة الى وجود بشمس معارفه، واختص خاصته بأنواره.
رفيقتها تقول لها: أنت سجينة، رفيقتها لا تدري أن الأسير في المكان يثوي، لكن العارف يُؤسر في المعنى وأن الفيض ينهض من سر الإرادة، وهي أسيرة المعنى ومكبلة بعطايا من بلطفه تلتقي الجبال.. والحب كالفن استيعاب لنهوض القوة الفائضة فينا وتعبير متسامٍ عنها.
ظهر يوم ما، يوم شديد البرودة كانت خارجة من عملها رنَّ هاتفها برسالة، انزعجت. قالت: هو ذلك الطالب اللحوح، حذرته مرات من إرسال أسئلته في الهاتف لكنه لا يسمع.
فتحت الهاتف... وأغمضت.
عادت للرسالة ثانية، عباراته الموجزة، وأسطره المتباعدة. سألها سائقها: ماذا يريد الطالب؟
قالت: قف. سأواصل للدار مشيا.
قال، كيف والبرد وهذه المزنة. .والمسافة للدار ما تزال بعيدة.
فتحت الباب فاضطر للوقوف ونزلت.
هي في أقصى الشمال وهو في أقصى الصحارى، والخط الوحيد الواصل بينهما دجلة، ينساب كالزمن متعاليا على الموت. والماء مثل الزمن ينساب بخصب مرة وفناء مرات، يرويك مرة ويبتلعك أخرى، ذلك هو الاشتباك العظيم الذي تعيشه.. خصب متداخل بالفناء. ودجلة يمرُّ بها أولا، يطوي همس وجعها وشجاها ثم يذهب إليه.
بركُ الغيوم تتحول الى قناديل فضية ترسل نسائم دافئة، والشارع المزدحم صار حقلا يموج بسنابل قمح، والهاتف ساهم بكفها.
كانت تسير تحت المطر وعن يسارها النهر مجنونا بالزرد يشتعل السمك في أحشائه.
عن يسارها دجلة تشكل أمواجه أهلةً تتداخل بعناق ثم تتباعد وتتلاشى في اصطخاب المياه، لتتشكل مرة أخرى، لكن بماء مغاير، دجلة يحتويها بماء جديد، ماءٍ يغمرها بوعد سري، يقول لها ما لن يقول أبدا، وهي تفهم ما لا يقول أكثر من فهمها أيّ خطاب؛ لأن الفقدان معلمٌ ماهر، فما أقرب رأس الرجاء الصالح حيث تلتحم البحار بالمحيطات، من مرافئ الجنوب المأخوذة بالدهشة حيث تلتقي البحارُ بالخلجان، بالبلدان، بالمحيطات، تلك هي المسافة العصية على التفسير، حيث يموت النخل بالملايين في عزّ المياه. تتساءل بألم.. ما جدوى المياه إذن ما دامت تسقي النخيل موتا..؟ وأي زمن ذلك الذي يحوّل المياه إلى سم.!
قال طالبها هو الملح يا سيدتي، الملح، فتحوا عليه قناة الصدأ وأقفلوا الزلالَ فجفت الجذور، لكن النخل يموت باذخا كما تعرفين.
رددت بأنينٍ مسموع: نعم، يموت باذخا.. أعرف.
أوجعها جرحٌ لا يندمل، بكت في داخلها، تذكرت كم سقتها الأيام سُماً بصمت..
في داخلها التوى حلم كان يشتعل لزيارة غابة نخل. ليته لم يخبرها، ففي حياتها نشوة عارمة تسميها نشوة النخيل، تعتريها رِعشةٌ كلما فاجأها منظر السعف يُظلُّ سماء روحها ولا تظله سماء، سعف يذكرها بالصحارى التي لا تتسع لأوجاع روحها، فتعدو وتعدو وتعدو.
في واحد من فنادق النجوم العديدة، كانت تقف على النافذة فجراً لترحل في امتداد الغابات أمامها، حيث يستلقي النَّخيل بكثافة تنتزعها من فتنة دجلة وسر غموضه.
في داخلها حفرَ فجوةً تتكسرُ فيها أضواء روحها، ليؤول الألق إلى سواد. آه.. كل شيء إلى زوال، ستنطفئ هذه النار يوما ويبقى.. أو لا يبقى الأثر، هكذا ادعى دريدا أنه أول من عرف، متناسيا أن الأثر كان ممهورا بجرح آدم وحواء وبلاء ذريتهما المقيم. وكيف تموت اللحظات العارمة لتُنسى، قال باشلار هي تموت بانبثاق ما هو أجمل، ولماذا لا يقول ذلك وهو يتجول باسترخاء في عاصمة المعارف والحرية والجمال، لو كان هنا لعرف كيف تتحول اللحظات من دمار إلى دمار، هو لم يتحول بيته إلى أنقاض بمفخخة انفجرت بين دجلة وبيتها وكسرته حجرا فحجر، وأجهزت على مشاريعها في جهاز صغير اخترعوه للتواصل فكان وسيلة القطيعة، هو لم يرَ أعضاء الإنسان البريء مقطعة وسط الشوارع وعلى الأرصفة وحولها برك من دم. في سطح دارها الذي لا تصعد اليه إلا لضرورة وجدت نصف جمجمة بشعر رجل قد تيبست فشهقت وظلت مريضة أسابيع. قال لها أحد الفرنسيين الذي جلس إلى جانبها صدفة في الطائرة الصاعدة لعالم آخر: أنتم مساكين تفتقدون الوعي بروعة الحياة حين تنتظرون الموت ببرود مقيت، برود يتناقض وفاعلية الفرح وقدسية الدفاع عنه، لو شبت الحرب غدا في بلدي لخطفت حبيبتي من يدها وهربت لآخر الدنيا، حدقت فيه ببلادة لم تعهدها بنفسها ثم أغمضت، ما معنى الفرح يا سيد جاك، ما معنى فاعلية الحياة أيها الجار العابر، وكيف أشرح لك ظلمة الليالي الطويلة التي أنستنا وجود اسم صار غريبا هو الكهرباء، وكيف أفسر لك العبوات والمفخخات واجتياح الهمرات ومصطلحات لا أعرف جذورها أنا من تكفير واجتثاث ومساءلات، فكيف أفسر لك فاعلية الحياة في زحام الموت..؟ هل كذب عليها منطق الثورات التي درستها، هل كذب عليها باشلار..؟ لكنها بالرغم من ذلك تحبه، وتصبر على ترف تأملاته ونزق انشغاله بدقائق الفضاءات والأفكار والأشياء. كتب عن الصحراء ما يشبه القصيدة، عن رمز الحرية في فضاءاتها الشاسعة كحب مستحيل، وعن أعمدة الذهب المنسابة من قرص الشمس على رملها المتضور وجدا، آه، لو رأيت الصحارى العربية يا سيد باشلار لعرفت كيف تذبح الحرية من الوريد للوريد.
سكن دجلة بصمت، لكن الأرض ما زالت تدور حالما يحضر، على صفحة كتاب أو شاشة حاسبة أو قعر فنجان، وفي الأرصفة المؤدية إلى مرابع الحرية حيث يضع العذابُ أوزاره تسمع صوته صافيا كخيط ضياء في عتمة، نقيا ومخضبا برائحة التفاح. خيط ينتزعها من خضم ظلمة تجتاح واقعا مقفلا بالنار والحديد والأغلال..
قالت له: لا تغلق الليل دوني، لكنه أغلقه بعناد طفل شديد المشاكسة، أغلقه دون أن يدري أنها قادرة على فتح الأبواب كلها به ومعه وبلياليه، لكن بدونه، بدون ذلك الذي يقفل الابواب بلا مفاتيح ومع من يفتح أفق الرؤيا لحوار البهاء الذي ينغرس بها وفيها وعبر دمها، وطيلة ذلك الليل الشتائي، ترقص معه على نغم هادئ، ترقص على نغم مجنون، وتذبح به أوتار الزمن. ولأمر وجودي ما، درسته في فلسفة الوجود لو عرفه لانكشفت أسرار المحنة، وانفك دجاها، لكنها لا تريده أن يعرف، فالمعرفة فاجعة الانسان المعاصر، وهي أكثر رأفة بروحه من ألم لا تدرك الحواس حدوده، ولأمر ديمومي ما يزرعه النبض في نسج خلاياها بتصوف، تشعره يتنفس عبير روحها، فتسكن وتشعر بالأمن يغلف أكوان عالمها. وحين يشاكسُ بنفور توجعها الخلايا، لكنها تظل متشبثة بأردانه، فمن الوجع ما يؤنس وحشتنا فلا نبحث عن علاج... من الوجع ما يضفي البهجة على أطراف الملكوت فتشرق الليالي المعجزات..
أرسل لها صورته منهمكا بالعمل دون طلب منها. لو طلبت منه ذلك لتلبسه العناد وأبى، سرتها المفاجأة، وجدت وجهه هادئا شديد الشفافية في بريدها، أين يكمن كل ذلك العنف إذن، تأملت أصابعه التي تشكل لوحات خيالها وتساءلت، أيكون هذا المخلوق الرهيف على الورق بكل ذلك الصدود، خطوط رشيقة من الضياء تنبعث من عينيه فتتخطفها بخفاء، نحافة وملامح خجلى تناقض صرامة طبع يصارع ذاته. قال لها صاحبه: لا تصدقي صمته، إنه إبليس بعينه، لم تصدق، قالت له: أنت لا تعرف إبليس إذن.
صمتت وهي تردد في الداخل، لو كان إبليسا لأغرى الربيع بالشجر، ولما أطفأ الأرجوان، لكنه بصفاء الأطفال الذين يكسرون نفائسهم ببراءة، بعثر يواقيت حلم كان طافحا بديمة عبير، فكف الليلكُ عن الانهمار، وماتت شجيرات الفل في حديقتها.
قالت له رأيتهم في الحلم يحملون البحر في تابوت ويبحثون عن مقبرة تحتويه، أجاب، كنت واهمة في الحلم؛ إذ لم يعد في حياتنا من حلم ولا بحر على الإطلاق..
علبة تبغها على مكتبه، ما الذي دفع بها إلى هناك، كانا يتسابقان بالتدخين ثم انفضَّ الزمن الواحد والمكان إلى اثنين وحلت المكيدة.
كانت في بلاد بعيدة، جبال وبحار وهضاب ووديان، وآخرون غرباء، لكنه كان معها.
خجله يثيرها، لم تجد من قبلُ رجلا يُشكل خجلُه هالات من فتنة تتوهج. تدعو ثم ترتد وتنأى في جدلية إغراء، هل كان يتقصد.؟ لا تدري، كل ما تدريه أن اشتباك المتناقضات أرهقها..
على مد البصر يتشكل عن بعدٍ قوس قزح يحيط بها، يخاتلها، يدور حولها فتتملى ألوانه وتشتعل بروحها النشوة. وقفت على الشاطئ متسائلة: لو نزل المطر غزيرا لطهر الأرض لكنّ المطر لا ينزل بدعوة منا.
تبسم دجلة بافتتان، فأغمضت.
حينما يُطلُّ دجلة بحنان تشتعل الأرض وتصطرع البحار، وتصاب هي بدوار ما قبل الإغماء.
دجلة يذكرها به؛ فهو قادم من الفردوس..
ابتسمت وهي تتذكر انتقاد زميلة بعيدة: أنت تجيدين تكييف المصطلحات والمفاهيم بامتياز أكثر مما تجيدين تكييف الحياة ذاتها، لكن الزَّميلة صمتت حين جاءها الجواب شجاعاً: نعم ذلك تشخيص دقيق؛ لأن المفاهيم تعطيني نفسها بتكشّف، بينما الحياة تستعصي.
كانت الرسالة تخبرها انه أرسل لها إشارة في البريد.
البريد بطيء وقد لا يجيء بالمُراد.
لا يهم، مادامت إشارته ستزرع وردا في محطات عبورها فلتتأخر ما شاءت، فقد علمها غيابه الصمت والصبر والتجلي، وحتى لو لم يصل البريد، ستظل تنتظر دون طمع بثواب تضحية ما، فهي لا تحب التضحية ولا منّة الضحايا، لأنها مؤمنة بالعطاء، وهي مؤمنة بالإرادة تتحمل تبعاتها.
نعم ستنتظر، فأنْ ننتظر يعني أن نحيا.
كانت قبله صارمة، مؤمنة بالنتائج، ومعه صارت مؤمنة بالنوايا حتى لو كانت النتيجة استشهادا.
حين وصلت الدار انهدت على السرير، منتشية ببللٍ كان يغمرها.
أغمضت،
وأفردت ساعديها كمن لا يريد أن يستيقظ.
 

 

 

 

 

All rights reserved©www.dijlaiq.com - design by www.jawadonline.net