:::شتات:::


المَحضَر



بشرى البستاني
• • •
 


قالت له.. أتعبتك كثيراً، ليتك تقول لي يوماً: لا أستطيع لأطمئن..
فاجأها وهو يقول، لن أقول لكِ: لا أستطيع أبداً..
شعرت بضربة نُبل مفاجئة..
أشرقت دموعٌ ابتلعتها. كانت واقفة فجلست. أحست. أنه أحاطها بكل فروسية أجداده، لم تجد ما تقول، هذا رجل غريب لا يُعطي نفسه، وهي امرأة أغرب، لأنَّها لا تريد أنْ تعرف شيئاً، ليبقى السِّــرُّ وامضاً.. هو رجل لا نهاية لرجولة طفولته ولا حدود لشهامة التَّناقضات المُشعة الَّتي يَرسم بها أجوبته لها وسلوكه معها، وهي في غيابه تتلاطم بخضمِّ حضوره فيها، حتى تعلمت منه غضَّ البَّصر عن تفاصيل شوق كانت مولعة به، وعن أسئلة لا يسألها فيشعل في روحها غيظاً من عبير ويدعها في غيبوبة أرجوانية أجمل من كل صحوة.
حينما انتهت المكالمة أمسكت رأسها ومسحت عنقود دمع. الدمعة مثل الكلمة تطهرنا، تطفئ شيئا ما في الداخل.. اجتاحتها رغبة طفولية، أن تمسح دمعها بقميص طفولته الأزرق المبلل بأحلامها الوردية، بكذبة واحدة تتمنى لو تركها على سمرة ضفائرها، لكنها لا تحتاج لكذبه، فصدق أصابعه أبلغ البراهين..
لا تعرف ماذا يُبكيها، كل ما تعرفه أنَّ رُوحها معه تتسع أكثر، ويكبر قلبها، ويصير لصوته أناملُ تفتح أزرارَ حلمها وأجنحةٌ تسامح بها بلادة الأيام، وكل الرجال الذين عرفت ما تيسر من غبائهم، لتشعر أنها تتشكل من جديد نبضة فنبضة، وناياً فناي.
كل ما تعرفه انه علمها كيف تقول قولها هي، لا قولهم هم، وأن تنتزع ابتسامته من شهقة المحن لتلفه بحنو حريرها الأبيض.
حينما انتهت المكالمة غفت بقلادتها وخواتمها وأسورتها التي لا تستطيع بها النوم، غفت خوفاً من نوبة صراخ اجتاحتها.
الكل يذهب ويعود، والكل يذهب ولا يعود، وهو يتربع عرش ليلها ولا يذهب. ينهض في مراياها ويلتف بأغطيتها الوردية، ويشاركها قهوة الصباح.
بدأ الإنسان بالخوف يوم اكتشف أن الزمن ليس دائريا، بل خطيا. آه، إلى أين سيذهبُ بها هذا الخط إلهي. المتصوفة أنقذوها بتقطع الزمن وانفصاله، لكنها لا تريد لهذه اللحظة أن تنفصل. إنها اللحظة المشرقة في غُصَّة فذة، إنها عذاب نعيم مقيم تتفيأ قسوته، وحنوه وتصحو في قيلولته.
 ذكريني لو نسيتُ شيئا..
وهو يدرك جيدا أنها لا يعنيها أن تذكره إلا بشيء واحد.. هو أنها تنتظره. هو يعرف أنها لا تأبهُ بالأحداث والوقائع، ولا بترتيب الزمن أو تكسيره وتداخله، وأنها توارب معه حين تدعي السرد وهي منهمكة بالشعرية وزمنيتها المربكة، وهي من زمن ترتب طروق البرق بعد ما طال الكرى، تفتح الليل لما يجب ان يكون، للحرية وإشراق كينونته على عتمة روحها ولهفة ستائرها، ووحشة أوراقها، وبحضوره تنتزع دموع الوسائد لتقذفها على ظهر شُرفة يتيمة..
في الليل تستضيفه ليجوبا المدن وسط الرصاص والشظايا، وتحت الأعمدة يقفان لا لإشعال الحرائق، بل لإشعال قناديل الكون حتى يُلقى القبضُ عليهما من مجهولين.
 قال الحاكم: ألا تعرفان أن التجوال ممنوع..؟
 تجيب السيدة: نعم
 ما سبب وجودكما على الأرصفة إذاً..؟
 لأنا محكومان بالنهار فقط، فالنهار فضاء ما هو كائن، أما الليل ففضاء ما يجب أن يكون، وما يجب أن يكون هو... خلاصنا.
 قال: كلامك غامض، دعي الرجل يتكلم.
 قال الرجل، كلامها واضح، ليس لديَّ ما أضيف.
 قال: لا بد من ابتكار تهمة لسجنكما، فابتكراها معا.
 نظر كلاهما بوجه الأخر، ونطقا معا دون حوار: الحرية.
 هزَّ الحاكم رأسه موافقا، وأقفل المحضر.


الثلاثاء 28 -5-2013

 

 

 

All rights reserved©www.dijlaiq.com - design by www.jawadonline.net